الداء السكري Diabetes Mellitus



كتابة : د. يونس قبلان – أستاذ أمراض الغدد و الداء السكري و التغذية
كلية الطب البشري – جامعة دمشق – سوريا
kabalan@scs-net.org  

إن تعبير الداء السكري يصف اضطرابا استقلابياً متعدد الأسباب ، يتميز بارتفاع سكر الدم على الريق فوق 126/ملغ دل، مع اضطراب في استقلاب ماءات الكربون ،الدسم والبروتين، هذا الاضطراب ينجم عن خلل في إفراز الأنسولين أو عن خلل في عمله أو عن كليهما، وهو مرض مزمن يؤدي لاضطراب وقصور في وظائف الأجهزة والأعضاء المختلفة في الجسم ، وأعراضه الوصفية هي البوال والسهاف ،اضطراب الرؤيا ،نقص الوزن وفي أشكاله الحادة قد يتظاهر بالإحمضاض الخلوني السكري أو بسبات فرط التناضح ،وقد يكون لا عرضياً .
تنبع أهمية الداء السكري من كونه مرضاً مزمناُ واسع الانتشار، ويؤدي خلال سيره الطويل لمجموعة كبيرة من الاختلاطات التي تصيب الأوعية لاسيما الدقيقة مؤدية لمجموعة من الاختلاطات المزعجة والمهددة لحياة المرضى السكريين،و الاختلاطات الوعائية تكون تراجعية في الطور البدئي لها، ويحدث هذا بالضبط الجيد للسكري، ومن هنا تبرز أهمية البحث والتدقيق عنها بالوسائط الحساسة لذلك، كتصوير الأوعية الشبكية بالفلوروستيئين، حيث أن حالة هذه الأوعية تقدم صور ذات مصداقية كبيرة عن حالة الأوعية الدقيقة في الجسم، وكذلك الكشف عن البيلة الألبومينية الدقيقة، والحديث عن الداء السكري يقودنا إلى الحديث عن تاريخ هذا المرض الذي عرف منذ أيام الفراعنة، حيث وصفه (Ebers ) عام 1550 ق.م بالبوال الغزير والعطش وضياع الوزن، ثم إلى ابن سينا عام 1000ميلادي حيث قدم وصفاً دقيقاً للمرض واختلاطا ته لاسيما الفانغرين .وفي القرن الخامس عشر جاء الإنكليزي Tomas Willis ليقول عن بول السكري بأنه بول حلو كالعسل وعزا سبب ذلك لوجود بعض الأملاح في هذا البول، إلى أن أتى Mattew Dobson عام 1779 ليقول أن حلاوة البول السكري ناجمة عن السكر، الذي برهنه Chevreul عام 1815 بمعايرة الغلوكوز بالبول.
وفي عام 1830 وضع Bauchardt كتابه حول القواعد الصحية والغذائية والعلاجية للسكري واستمر العمل به حتى عام 1875. وفي منتصف القرن التاسع عشر وصف كلود برنار الفرنسي عمليات استحداث السكر من مصادر غير سكرية، وتحدث عن إنتاج السكر الكبدي. 
وفي عام 1896 وصف طالب الطب ذو الـ 22 عاما بول لانغرهانس خلايا بنكرياسية ليس لها علاقة بالوظائف الإفرازية الهضمية للبنكرياس، تنتشر بشكل جزيرات في البنكرياس لم تعرف وظيفتها حتى عام 1900علىيد SZOBOLEU .L.W من روسيا وE.L.Opie من الولايات المتحدة حيث تمكنا من إظهار دور هذه الجزيرات في الآلية الإمراضية للسكري.
في بداية القرن وبعد العديد من الدراسات والتجارب تمكن Banting وBest عام 1922 من اكتشاف الأنسولين الذي تفرزه خلايا B البنكرياسية، وبتاريخ 11/1/ 1922 تلقى (المريض ليونارد جونسون) علاجا يحوي الأنسولين وذلك بحقنه بخلاصة جزر لانغرهانس.
واليوم وبعد مضي اكثر من 3000سنة على تشخيص الداء السكري، فإن الداء السكري وحسب تعريف منظمة الصحة العالمية يعرف بأنه مرض مزمن ينتشر في كل بقاع العالم ويصيب جميع الأعراق والأجناس من جميع الأعمار ،ويتميز باضطراب إستقلاب ماآت الكربون والدسم والبروتين بسبب عجز كلي أو نسبي في إفراز الأنسولين من البنكرياس أو بسبب وجود مقاومة لعمل الأنسولين يتجلى بارتفاع مستمر بسكر الدم على الريق.كانت معايير تشخيص السكري تعتمد على وجود سكر دم على الريق فوق 140 ملغ/دل لمرتين وبمناسبتين مختلفتين أو سكر دم فوق200 ملغ /دل بعد ساعتين من إجراء إختبار تحمل الغلوكوز بالفم، واليوم يمكن اعتماد تصنيف الجمعية الأمريكية للسكري حيث خفضت الرقم المعتمد للتشخيص إلى 126ملغ/دل،وأدخلت مصطلحاً جديداً هو اضطراب تحمل السكر على الريق IFG كما في الجدول التالي

اختبار تحمل السكر OGTT سكري عرضي سكري على الريق FPG مرحلة
أكثر أو يساوي 200 بعد /2سا فوق أو يساوي 200 أكثر أو يساوي 126 سكري
ICT بعد 2/سا فوق 140 ودون 200 اضطراب IFGسكر بين 110 - 126 اضطراب تحمل سكري
سكر دون 140 FBG اقل من 110 طبيعي

ويصنف الداء السكري كما يلي :
 سكري نمط أول: سكري معتمد على الأنسولين(IDDM).
 سكري نمط ثاني: سكري غير معتمد على الأنسولين(NIDDM).
آ- غير بدين =20% . ب- بدين = 80% 
 سكري متعلق بسوء التغذية.
 السكري المناعي المتأخر عند الكهول(LADA).
 السكري غير المعتمد على الأنسولين عند الشباب(MODY).
 اضطراب تحمل السكر.
 سكري حملي. 
 سكري ثانوي: أمرض بنكرياسية، غدية، عوامل دوائية وسمية

ولقد تطورت طرق العلاج بشكل كبير. فبعد استخدام الخلاصات البنكرياسية في العلاج عام 1922 ..يتلقى المرضى اليوم انسوليناً عالي النقاوة، كما أتى الأنسولين الإنساني المصنع في بداية الثمانينات، بدأ مؤخراً باستخدام بعض مقلدات الأنسولين الإنساني التي تتميز بنقاوتها العالية،وبسرعة تأثيرها، وكذلك فإن وسائط مراقبة السكري تطورت كثيراً، حيث يتمكن معظم المرضى اليوم من إجراء مراقبة منزلية لسكر الدم في المنزل وكذلك يمكنهم الكشف عن وجود الخلون والسكر بشرائط خاصة لذلك.. وحتى الكشف عن البيلة الألبومينية الدقيقة بشرائط خاصة أيضاً. أما المعالجة الفموية سواء بمركبات السلفونيل يوريا , البيغوانيد وغيرها من المركبات الجديدة مثل مركبات التروكليتازون التي تزيد من الحساسية المحيطية للأنسولين ومركبات أخرىتثبط الخمائر المسؤولة عن نقل الغلوكوز المعوي مثل الأكاربوز، وكل ما سبق يساهم مع الرعاية والتثقيف الطبي المستمر في تحسين نمط حياة المرضى السكريين .
والتحدي الذي نواجهه اليوم، لا يكمن في علاج الداء السكري والتخفيف من حدة إختلاطاته أو الوقاية منها، ولكن في الوقاية من حدوث الداء السكري وذلك بدراسة عوامل الخطورة التي تؤدي للسكري، فمثلاً بالنسبة للنمط الأول من السكري أتهم الألبومين البقري بإحداث السكري عند حديثي الولادة وعليه بدء بتحضير حليب للرضع لا يحوي هذا الألبومين.
والدراسات الأيسلندية تشر إلى حدوث وبائي للسكري مع احتفالات عيد الميلاد حيث يكثر استخدام الأسماك واللحوم المعاملة بمادة / Nitrosamins / وكثيرة هي الدراسات التي تشير لأهمية الانتانات الفيروسية في إطلاق أو إظهار الداء السكري عند الأشخاص المستعدين نسيجياً، حيث أن حملة الزمرة النسيجية (HLA DP-DQ-DR ) أكثر عرضة من غيرهم من السكان .


أما النمط الثاني فتشير الدراسات السكانية الوبائية إلى ارتفاع معدلات حدوثه مع تغير نمط حياة هذه المجموعات السكانية سواء من حيث العمر أو الغذاء.
وجميع هذه الدراسات تركز على أهمية البدانة وقلة النشاط الفيزيائي كعامل مهم في ظهور المقاومة للأنسولين وبالتالي حدوث السكري .
وتشير الدراسات الإحصائية إلى أن النمط الأول من السكري يصيب 0,5% تقريباً من سكان الدول الأوربية ،1,9% في أمريكا و3,7% في استراليا و0.12% في اليابان. ويصيب النمط الثاني 2-5% من سكان الدول الأوربية في حين يعاني 6-10% من سكان الدول النامية منه، وفي أمريكا 6,6% من السكان ونجد أن نسبة الداء السكري غير المعتمد على الأنسولين تصل حتى 50% عند هنود البيما الذين يعيشون في غرب أمريكا حيث تأثروا بعادات وحياة المجتمع الأمريكي، أما أشقائهم الذين مازالوا في مناطقهم الأصلية في البيرو ولم يغيروا نمط حياتهم فتصل النسبة لديهم لأقل من 5%
كذلك نجد نسبة عالية جداً لدى سكان جزرNauru في الباسفيك حيث تصل النسبة إلى 42%، وكذلك نجد نسبة عالية لدى المكسيكيين الذين يعيشون في أمريكا. وتعاني المجموعة السكانية العربية من نسب عالية من حدوث السكري كما تشير معظم الدراسات الإقليمية العربية حيث تراوح حول 10% ، ولفهم هذه النسبة العالية من وقوع السكر في المجموعة السكانية العربية لابد من العودة إلى الأسباب المختلفة لانتشار الداء السكري حيث يمكن أن تقسم إلى أربع مجموعات:
 العوامل الجغرافية 
 العوامل العرقية ضمن نفس الظروف الجغرافية .
 عوامل تتعلق بنمط الحياة حيث توجد علاقة قوية بين معدل ظهور السكري ونمط الحياة وطريقة الغذاء ، فالمجموعة السكانية العربية كغيرها تحولت إلى الغذاء عالي الحريرات الغني بالدسم،قليل الألياف كما أن نمط الحياة تغير كثيراً مع تقدم وسائل الحضارة والرفاهية،ويمكن ربط هذه العوامل بنظرية Thrifty Genotالتي وضعت منذ حوالي ثلاثين عاماً ، التقدم بالعمر حيث يعتبر عامل العمر من العوامل المساعدة على ظهور السكري ، ولايمكن إغفال النهضة الصحية ، وارتفاع معدلات الحياة التي حدثت في المنطقة العربية.
وباعتبار أن تغير نمط الحياة والعادات الغذائية يعتبر من أهم مسببات السكري من النمط الثاني ، واستناداً للعديد من الدراسات التي أظهرت تراجع السكري بإنقاص معدل حريرات الغذاء وبزيادة النشاط الفيزيائي ، فإن أهم خطوة للوقاية من الداء السكري ولعلاجه تكمن في محاربة البدانة وذلك باتباع حمية غذائية تعتمد الإقلال من كميات الطعام لاسيما الغنية بالحريرات،وهنا يجب أن ننبه إلى الخطأ الشائع الذي يقع به معظم المرضى وذلك بتناولهم الأغذية الخاصة التي تحمل عبارة خاص لمرضى السكري ، هذه الأغذية تم استبدال سكر القصب فيها (سكر التحلية العادي ) بالمحليات الصناعية كالسكرين والأسبارتام وغيرها إلا أن هذه الأغذية مازالت ذات مصدر مهم للحريرات ، فالشوكولاة المخصصة للحمية ،الحلاوة ، البوظة والحلويات الشرقية كلها فيها كميات عالية جداً من الطاقة والأساس في حمية إنقاص الوزن أو السكري هو إنقاص كمية الحريرات المتناولة وليس الامتناع عن تناول سكر القصب أو النشويات وباختصار يجب على مريض السكري عدم اعتماد مثل هذه الأغذية التي تحمل المريض عبئاً مادياً إضافةً لضررها الصحي وسأحاول في مقالات قادمة التحدث بشكل مبسط عن الحمية بشكل عام وعن معالجة السكر بالحبوب والأنسولين.