داء البوغيات الخفية
La Cryptosporidiose

 

أ. د.محمد طاهر إسماعيل
رئيس قسم الأحياء الدقيقة
كلية الطب -جامعة دمشق

 هو مرض معروف منذ عام 1907 عند الحيوانات ولكن أول حالة كشفت عند الإنسان عام 1976 ومنذ ذلك الوقت تزايد عدد الحالات حتى اصبح معروفا في كل بلاد العالم وخاصة عند ناقصي المناعة .

لا أريد أن أخوض في التطور التاريخي لهذا المرض ولمن يرغب ذلك يستطيع العودة للأبحاث التي قام بها الباحث وتم نشرها في مجلة الأخبار العلمية الفرنسية عام 1995.

التصنيف

تعد البوغيات الخفية من الأولي المسببة لداء الأكريات البشرية Coccidioses وتشبه في دورة حياتها متماثلة الأبواغ (المتبائغة) Isospora وكذلك المتكيسة العضلية Sarcocystis وذلك بسبب الدورة التكاثرية التي يحدث فيها تناوب بين التكاثر الجنسي واللاجنسي والى آليتها الإمراضية الهضمية المتشابهة مع بعضها .

لقد وضع CASEMORE ومعاونيه عام 1985 البوغيات الخفية على الشكل التالي

-الصف: الأوالي البوغية (البوائغ) Sporozoae

-تحت الصف: الأكريات Coccidia

-الرتبة: الأكريات الحقيقية Eucoccidia

-تحت الرتبة: الإيمريات Eimeriidia

-العائلة: Cryptosporidiidea

-الجنس: Cryptosporidium

وقد عرف منها نوعان ممرضان عند الإنسان وهما الC.Muris الجرذية والC.Parvum الطيرية.

التوضع

يتوضع هذا الطفيلي بخاصة في الأمعاء الدقيقة والقولون والمستقيم ولكن شوهد أيضاً في أماكن أخرى من جسم الإنسان مثل : القصبات والرئة والجيوب الأنفية والمري والحنجرة والحويصل الصفراوي .ومن الملاحظ أن هذا التوضع مشابه لما هو عند الحيوان .

دورة الحياة

أول من وصف دورة حياة البوغيات الخفية الفأرية هو TYZZER .وتتم هذه الدورة في نفس الثوي داخل الخلايا وخارجها وبهذا تتميز عن باقي الأوالي.

تنتشر البوغيات على سطح الخلايا الظهارية الهضمية في محيط الحافة الفرجونية للخلايا المعوية وبشكل نادر على سطح الخلايا الظهارية التنفسية .تتم العدوى عند الإنسان عن طريق تناول الخضار النيئة الحاوية على الكيسات البيضية Oocystes ذات الجدار السميك والتي تحتوي على أربعة أبواغ.ذكرت بعض حالات العدوى المباشرة عند الجنوسيين و لوحظت وبائيات صغيرة في المشافي بين الممرضات والأطباء المهتمين بمرضى الاسهالات ولوحظ ذلك في الأوساط العائلية والطلابية .

عندما تصل الكيسات البيضية إلى لمعة الأمعاء تتحرر الابواغ الأربعة بفضل الأنزيمات الهاضمة لتتثبت على الخلايا المعوية إذ تتابع تطورها إلى أترو فات Trophozoites

 

الدورة اللاجنسية

تخترق الاتاريف بواسطة الانغلاف خلايا الثوي فتتكاثر وتتحول إلى ثمان متقسمات Merozoites من الجيل الأول. تنفجر بعدها خلية الثوي لتحرر هذه المتقسمات في لمعة الأمعاء لتباشر دورة أتروفية أخرى لتتثبت على خلايا معوية سليمة مجاورة لتباشر دورة أتروفية جديدة فتشكل متقسمات فيها ثمان أقسو مات.

الدورة الجنسية

تتمايز بعض هذه الاقسومات وتتحول إلى طليعة عرسية لتشكل أما عرسية صغيرة دون سياط تحوي العديد من الأعراس المذكرة أو عرسية كبيرة تحوي عرسا مؤنثا .يحدث الالقاح وتنشئ البيضة الملقحة Zygote التي تنضج في الوسط المعوي لتتحول إلى كيسة بيضة Oocyste تحوي أربعة بوائغ عارية عكس بقية الأكريات .تكون هذه الكيسة البيضية خمجة مباشرة وتطرح مع البراز إلى الوسط الخارجي والتي تكشف بفحص البراز بعد تلوينه .

التوزع الجغرافي

عرف داء البوغيات الخفية في مناطق كثيرة من العالم مثل استراليا ، أمريكا ،كندا ، أوروبا ، افريقيا السوداء ، و أخيرا في سوريا (إذ نشرت أول 15 حالة في المؤتمر السوري لأمراض الهضم والذي انعقد في فندق الشام في دمشق 22-24/4/1992 من قبل الباحث) .

الإمراضية

لازالت الآلية الإمراضية غير مؤكدة ويبدو أنها تؤثر بالية سمية معوية من خلال نقص الامتصاص وزيادة الإفراز كجراثيم الهيضة وهذا يؤدي إلى إسهال مائي إفرازي دون مخاط أو دم وحتى الآن لم يعزل أي ذيفان مفرز من هذا الطفيلي. وعندما يكون هناك سوء امتصاص مشارك فإنه يكون ناجماً عن تراجع في سطح الغشاء المخاطي بسبب ضمور الزغابات المعوية مما يؤدي إلى نقص القدرة الامتصاصية.







الحضانة والأعراض السريرية

تكون فترة الحضانة عند الأشخاص أسوياء المناعة قصيرة وتبلغ نحو عشرة أيام والأعراض السريرية مشابهة لما نراه في حالة التهاب المعدة و الأمعاء يرافقها إسهال مزمن وإقياء أحيانا مع ترفع حروري بسيط .يتطور المرض نحو الشفاء بعد عدة أيام أو أسابيع لكن غالباً ما يستمر الإسهال مدة أطول وبخاصة عند الأطفال سييء التغذية أما عند الأشخاص مثبطي المناعة فتكون إصابتهم خطيرة إذ يحدث إسهال خطير يصل إلى 17ل/يوم يدوم حتى الوفاة مع فقدان كبير في الوزن يصل إلى 20كغ واضطراب في شوارد الدم وسوء امتصاص مزمن .

إن الإسهال المزمن الناجم عن هذا الطفيلي لا يعني عدم البحث عن أسباب أخرى مرضية من جراثيم وفيروسات وطفيليات وفطور والتي تحتاج إلى علاج خاص إذ لوحظ في بعض الحالات مشاركة البوغيات الخفية مع السالمونيلا والايشريشيا القولونية والشغيلا و الكامبيلوباكتر و الروتا فيروس و الجياردية اللامبيلية وكذلك فطور المبيضات .لذلك يجب البحث عن هذه العوامل المرضية من أجل المعالجة الناجحة .

الأهمية الطبية

أجريت عدة دراسات تهدف إلى تحديد دور البوغيات الخفية في الإسهالات المزمنة ففي فرنسا بين BRASSEUR عام 1987 في دراسة على 440 طفلاً أن البوغيات الخفية تحتل المكان الثالث في أسباب الإسهالات إذ وجد أنها مسؤولة عن 4,2% والحمى الدولابية (الروتا فيروس ) عن 5,4 % والجياردية اللامبيلية عن 4,6 % وكذلك في دراسة أخرى أجريت في إنكلترا (HART 1986) على 1987 شخصاً مصابين بإسهال مزمن أشارت إلى أن البوغيات الخفية تحتل المرتبة الرابعة في أسباب الإسهالات بعد السالمونيلا والامعائيات ( الانتيروباكتر ) والكولونيات.وفي راوندا أجرى BOGAERTS 1984 دراسة على 193 برازاً لأطفال مصابين بإسهالات مزمنة فكانت نسبة البوغيات الخفية عندهم 7,8 % والسالمونيلا 8,5 % وهذا يعني أنها تحتل المرتبة الثانية في أسباب الإسهالات .

إذاً كما نلاحظ أن هذه الإسهالات الناجمة عن هذا الطفيلي يختلف مكانها من بلد لأخر لكن يتفق الجميع على أنها ممرضة ويجب معالجتها .وقد عدها بعض الباحثين أحد أسباب إسهالات المسافرين العائدين من عدة بلاد مثل روسيا والمكسيك ومصر ووسط افر يقيا بسبب ماء الشرب الملوث .

مشكلة مقاومة الطفيلي لوسائل التعقيم

البوغيات الخفية -مثل بقية الأكريات- مقاومة جداً حيث تقاوم العوامل الفيزيائية التالية:يمكن أن تبقى حية في حرارة 4ْ م مدة 2-6 أشهر دون أن تفقد قدرتها الإمراضية وبذلك تبقى الكيسات البيضية قادرة على تلويث النباتات الزراعية لمدة 12 شهرا .لكن يمكن القضاء عليها بما يلي

- التجميد لحرارة –70 ْ م - تسخين لدرجة 65 ْ م مدة 30 دقيقة

- التجفيد - الصاد الموصد

أما مقاومة العوامل الكيماوية فهناك العديد من مضادات الانتان استخدمت دون أن يكون لها أثر فعال ومن بينها:رباعي الأمونيوم ، الفورم الدهيد 5 % ، تري-ن-بوتيل –بنزوات ، ايزوبروبيل الكحولي ، محلول هيبوكلوريد الصوديوم 2,5 %(ماء جافيل) ،حمض الكريزيل 3 % ،كلور البنزالكونيوم 5%.

وتبين أن الفورمول بنسبة 10 % والامونياك 5-10 %لمدة 18 ساعة بتماس مع الطفيلي هي فقط التي تقضي على أخماج الكيسة البيضية. ولذلك من الضروري تعقيم الأدوات في الصاد الموصد وتعقيم المناظير الهضمية بالمحاليل النشادرية وحرق البراز لكي نخفض من خطورة انتقال المرض بين البشر .

التشخيص المخبري

يرتكز التشخيص المخبري لداء البوغيات الخفية على رؤية الكيسات البيضية في البراز التي تظهر بعد 3-4 أيام من العدوى وتبقى2-3 أسابيع عند الأشخاص أسوياء المناعة بينما تبقى عند مثبطي المناعة لمدة غير محددة.يكون طرح الكيسات البيضية متقطع لذلك من الضروري إجراء عدة فحوصات للبراز كل 2-3 أيام لإثبات السلبية وإن أخذ العينة لا يحتاج لتحضير مسبق لأن الكيسات كما ذكرنا آنفا مقاومة .

من الصعب رؤية الكيسات البيضية في الفحص المباشر إذ تظهر بالعدسة الغاطسة عبارة عن عنصر مرضي شفاف قطره من (6-7)ميكرون ،ذو جدار رقيق يحتوي هيولى حبيبية ناعمة فيها أربعة أبواغ .هذا الفحص غير حساس ولا يستخدم لصعوبة إظهار الكيسات البيضية.

الفحص بتثبيت البراز وتلوينه

هناك عدة طرق استخدمت لكشف الكيسات البيضية في البراز بعد التلوين منها:التلوين بغيمزا وطريقة Heine والتلوين بالاورامين وبالسافرانين مع زرقة الميتلين والتلوين بالنيغروزين وغيرها من الطرائق .لكن أفضل طريقة وجدتها والتي استخدمها في مخبرنا وهي طريقة تسيل نلسن المعدلة وملخصها

-نفرش لطاخة رقيقة من البراز ثم تجفف وتثبت بالايتانول مدة 5 دقائق .

-تجفف ثم تغمر الصفيحة بالفوكسين الكثيف لمدة ساعة كاملة .

-تغسل بالماء العادي ثم يزال اللون بحمض الكبريت الكثيف 1 % لمدة 20 ثانية.

-تغسل بالماء العادي ثم تغمر اللطاخة بخضرة المالاكيت 5 % لمدة 5 دقائق وتجفف.

-تقرأ اللطاخة بالعدسة 40 بعد وضع طبقة من زيت الأرز وحين الاشتباه بالعناصر المرضية تفحص بالغاطسة .

تبدو البوغيات الخفية مدورة قطرها من 4-6 ميكرون لونها أحمر مع جدار سميك ،السيتوبلاسما حبيبية وتبدو الأبواغ بلون أسمر وواضحة غالبا. أما بقية أرضية المحضر فتظهر بلون أخضر لكن هناك مشكلة أن الخمائر تبدو بلون مشابه للبوغيات لذلك يكون التشخيص التفريقي بينهما بالدراسة الدقيقة بالعدسة الغاطسة.

المعالجة

جربت عدة أدوية مضادة للأولي والفطور والجراثيم وأدوية أخرى واللائحة طويلة لامجال لذكرها.لكن أكثر الأدوية نجاحاً هو السبيرامايسين Spiramycine من عائلة ماكرو ليد الذي يستخدمه معظم الأطباء بجرعة 3 غ/يوم فموياً لثلاث جرعات وليس له سمية واضحة لكن نسبة النجاح في العلاج به تتراوح بين شفاء تام إلى فشل كامل .

الدراسة العملية

أول دراسة للتحري عن هذا الطفيلي أجريت في مخبرنا (لبابيدي وإسماعيل عام 1991 ) وذكرت أول 15 حالة في المؤتمر السوري الثامن لأمراض الهضم 1992 في دمشق .ثم تتالت الأبحاث وتم نشر 24 حالة إيجابية عام 1995 في مجلة الأخبار العلمية التي يصدرها مركز السيدوست الفرنسي بدمشق.ومؤخرا أجريت دراستين للحصول على درجة الماجستير في الأحياء الدقيقة بجامعة دمشق .الأولى حضّرها الطالب الدكتور غسان الأديب عند البالغين و المصابين بإسهالات مزمنة والثانية حضّرها الطالب الدكتور بسام الكسار لنفس الموضوع لكن عند الأطفال المصابين بإسهالات مزمنة وحاولنا البحث عن حملة أصحاء فوجدا ما يلي

- عند البالغين فحص 220 مريضا تم الكشف عن 41 حالة بوغيات خفية أي بنسبة 18,6 % وهي نسبة عالية نسبيا مقارنة مع بقية بلدان العالم .أما الحملة الأصحاء فتم فحص 370 برازا عشوائيا لأشخاص لا يشكون من إسهالات فوجدنا/11/ حالة إيجابية أي بنسبة 2,97 %.
- أما عند الأطفال فتمت دراسة 220 طفلاً يشكون من إسهالات أظهرت النتائج أن 53 حالة كانت إيجابية ببوغيات خفية أي بنسبة 24,09 %أما الحملة الأصحاء فقد فحص أيضا 270 براز لأطفال لا يشكون من أعراضاً هضمية فتبين وجود كيسات بيضيه في 14 حالة أي 5,18 % وهذه النتيجة تحمل أهمية كبيرة فوجود الحملة الأصحاء يكون سبباً مهماً لانتشار الطفيلي في البيئة المحيطية وهذا مما يزيد من احتمال العدوى بين البشر .
أرجو أن أكون قد وفقت في إعطاء ملخصاً مفيداً للزملاء المخبريين عن هذا الطفيلي الجديد في بلدنا القديم في العالم .