حكاية لعبة
د. أحمد شراب – اختصاصي أمراض الأطفال
حلب - سوريا
يعتير العديد من الآباء عربات
الأطفال التي يوضع فيها الطفل ليتابع المشي ، يعتبرها سليمة و آمنة ، و أنها من
الممكن أن تساعد في الحض على تعليم الطفل على المشي ، كما أن الطفل يتمكن من
استكشاف محيطه ، و من اللعب و التنقل ، و من متابعة والديه ، و ذلك بشكل مستقل و
بالاعتماد على نفسه .
لسوء الحظ ، يترافق استعمال هذا النوع من العربات مع نقص في انتباه الآباء و
تركيزهم على الأطفال أثناء وجودهم في هذه العربات الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى
حوادث كثيرة ، و على الرغم من أن هذه العربات يمكن أن تساعد الأطفال على الخطو ،
إلا أن رغبة الطفل و نشاطه الحركي يكونان مزدادين إلى حد كبير حتى قبل أن يفكر
الأهل باقتناء هذه العرية ، الأمر الذي يجعلنا نفترض معه أنها لا تحث الطفل على
المشي إنما تناسب إحساسه المتولد مسبقاً بذلك ، أي أن الطفل الذي سيمشي في سن معينة
، سيمشي حتى دون هذه العربة ، و الأطفال الذين يتأخر لديهم المشي قليلاً ، سيتأخر
حتى بوجود العربة .
إن 30%-50% من الأطفال في عمر ما بين 5 – 12 شهر يستعملون العربة ، و أكثر من
50%-60% من هؤلاء الأطفال يتعرضون لحوداث ناجمة عن استخدامها مثل أذيات و رضوض
الرأس و الجمجمة ، السقوط من الدرج ، أذيات الأصابع بالأدوات الموجودة على سطحها ،
كما إن 50%-70% من مجمل هذه الحوادث تحدث في البيت ، و معظمها حيث يكون الوالدان أو
أحدهما على الأقل موجوداً مع الطفل ، و يزداد معدل الحوادث و فرص وقوعها كلما زاد
الوقت الذي يقضيه الطفل في العربة ، إذ إن حوالي 30% من حوادث السقوط عن الدرج تحدث
عند الأطفال الذين يقضون يومياً أقل من ساعتين على العربة و حوالي 47% من هؤلاء
الأطفال يعانون من كسور الجمجمة ، و 001¸0% يتطلب المعالجة من التهاب السحايا .
كما أنه لا يوجد دليل علمي إلى الآن يثبت أن المشايات
يمكن أن تعلم الطفل التنقل أو التجوال ، فالأطفال يستعملون عدداً من الحركات و
مجموعات عضلية مناسبة و متعددة من أجل المشي و التجوال ، و هذه العربات تجبرهم على
استخدام إعداد واحد فقط ، كما أنه من الممكن لهذه العربات أن تؤخر تعلم المشي عند
الأطفال المصابين بالشلل الدماغي .
إن اجتماع نقص انتباه و تركيز الأهل على الطفل الذي يستعمل المشاية ، مع النشاط
الحركي الزائد للطفل في السن الذي يبدأ فيه باستعمالها يدفعنا للاعتقاد بأن هذه
الأدوات من الممكن أن تكون بغاية الخطورة ، و لا بد أن يتنبه الأهل حول المخاطر
الكامنة الحدوث و المتوقعة من جراء استعمال أطفالهم لمثل هذه الأجهزة و لا سيما في
الأطفال الغير مراقبين و الذين يستعملون العربات لفترة طويلة من الوقت ، و لا بد من
التأكيد كذلك على أن هذه العربات لا تحرض الطفل على بدء المشي و لا تعلمه الخطو و
لا تحثه على التجول ، لأن كل ذلك موجود أصلاً في غريزة الطفل.
إلا أنه من الممكن أن ينصح باقتناء هذه العربات تحت شروط معينة ، منها ألا يتم
إهمال الطفل باعتبار أنه الآن في حصن أمين و ظروف محمية من الأخطار ، إذ لا بد من
أن يزيد انتباه الأهل لأطفالهم أثناء وجودهم في هذه العربات ، لأن الأخطار المحدقة
بالطفل تزداد كلما ازداد تجواله و حركته ، و لا بد أيضاً من اختيار العربة المناسبة
للطفل من حيث التركيب و الصناعة بحيث لا يكون فيها أدوات حادة أو أجزاء مدببة أو
مؤذية ، كما ينبغي أن تناسب طول الطفل ، مع إمكانية أن يتم تغيير ارتفاعها لتناسب
حركة رجليه على الأرض ، و يجب أن يكون مقعدها مريحاً و صلباً نوعاً ما يحيث لا
يهترئ أو يتشقق ، كما ينبغي ألا يوضع الطفل فيها طيلة النهار ، إذ يمكن أن يخصص له
ساعة أو ساعتان فقط ، و لا بد من أن يتم رفع كل الأدوات التي يمكن أن تعترض طريقه
أو أن يتعرض لها بحكم الفضول فيؤذي نفسه ، و أن يمنع من بلوغ بعض الأماكن مثل
المطبخ أو المنشر أو الدرج أو الحمام و غيره ، و بذلك يمكن أن تعتبر هذه العربة
لعبة يلعب بها الطفل لا أكثر و لا أقل لكنها لعبة كبيرة نوعاً ما .
(إن المقالات المنشورة تعبر عن رأي المؤلف، و
هي قد لا تتوافق بالضرورة مع رأي هيئة التحرير )