كيف رأيت
المنايا خبط عشواء يا زهير ..!؟
د. أحمد شراب
اختصاصي أمراض الأطفال و العلوم الوراثية
جدة - المملكة العربية السعودية
" رايت المنايا خبط عشواء من تصب تـمته و من تخـطئ
.. يعـمر فيهرم ِ
سئمت تكاليف الحياة و من يعـش ثمـــانين حـولاً – لا ابا لك – يسأم ِ "
واضع القصيدة التي اقتبست منها هذين البيتين هو زهير بن أبي سـُـلمى ، الشاعر
العربي المعروف ، شاعر المعلقة ، عاش من زمن بعيد في الجزيرة العربية ، و جميعنا
يعرف كيف امتاز شعره بالفصاحة و الجمال و الإبداع ، كما أنه كان من مؤلفي ما يسمى
بالحوليات في الشعر العربي ، حيث كان يمضي حوالي السنة الكاملة و هو يؤلف و يشذب و
يهذب قصيدته ، و يضيف و يلغي ، و لا يعرضها إلا بعد أن ينتهي منها تماماً .. فتكون
بذلك سيدة القصائد و بدعتها .
زهير ، و ربما دون أن يقصد ، أورثنا ، إضافة إلى أدبه و فنه و شعره و حكمه ، أورثنا
ما يمكن تسميته بتقرير حول الوفيات و معدلات الأعمار في عصره في المنطقة العربية –
الجزيرة العربية نموذجاً ! و ضم في هذا التقرير خلاصة تجربة حياة أدبية عريقة ، و
فوائد و عبر جمة ، و ملاحظات طبية أيضاً .
زهير ، مع الاحتفاظ بالألقاب ، يرى أن المنايا ، أي الموت ، ما هي إلا حادثة
عشوائية صرفة ، و أن الموت لا يحدث إلا لأنه سيحدث ، فمن أصابه أخذه ، على الرغم من
أنه يأخذ كثيراً من الذين لا يريدونه أن يأخذهم ، و يترك كثيراً من الذين يريدون أن
يأخذهم ، كما هو الحال مع شاعرنا زهير ، و هو الذي عاش ثمانين سنة ، متجاوزاً بذلك
معدل الأعمار في جزيرة العرب بتسعة سنوات حتى وقت تأليفه القصيدة و نشرها .
و زهير يرى أنها لحياة طويلة ، على الرغم من أنه ربما يكون قد نال فرصة ليقوم بجل
ما أراد أن يقوم به ، و على الرغم من أنها كانت ثمانية عقود حافلة و ليست عادية ،
فكيف أصابه السأم ..؟ و هو الشاعر الأديب الجليل ، و الذي قدم العديد من الخدمات
لأناسه و مجتمعه و قبيلته ، بل و للقبيلة التي حل فيها ضيفاً مدة طويلة من الزمن ،
و هي ليست كثمانين سنة يعيشها فرد خامل يصبح فيها عبئاً على الحياة و عالة على
الناس .
زهير يقول إن المنايا خبط عشواء .. و ربما كان هذا من وجهة نظره ، أو كان ذلك
صحيحاً على عهده ، لكنني أدعو من يتمثل هذه الفكرة إلى النظر قليلاً في معدلات
الوفيات في أيامنا هذه ، لنرى هل هي خبط عشواء حقاً ، أم أنها تتبع نموذجاً منحرفاً
خاصاً ، بل و ربما كانت تتبع قانوناً وضعه بعض المخربين !
لنبدأ أولاً بمعدلات الوفيات بين الأطفال بأعمار أقل من خمسة سنوات ، و التي تشير
فيما تشير إليه إلى المستوى الصحي و التقني و مدى الرقي و التطور و التقدم في أي
مجتمع من المجتمعات ، حيث إن الأطفال هم الفئة الأكثر تضرراً و الأسرع تأثراً و
الأولى رعاية في الوقت نفسه من بين كافة الفئات في المجتمع ، و سنجد حسب إحصائيات
اليونيسيف لعام 2003 أن الدولة الأكثر ارتفاعاً في معدلات وفيات الأطفال تحت عمر
الخمسة سنوات لهذا العام هي سيراليون ، ساحل العاج سابقاً ، و ذلك بمعدل 316 حالة
وفاة لكل 1000 ولادة حية ، و إن طريقة التعبير عن معدل الوفيات هذه هي الطريقة التي
يتخذها أخصائيو الصحة العامة و طب المجتمع من أجل عقد المقارنات و القياسات
المختلفة ، حيث ينسب عدد الوفيات المقدر إلى كل 1000 ولادة وليد حي تحصل خلال السنة
التي يتم فيها التقدير .
بعد سيراليون كانت النيجر بمعدل 265 حالة وفاة لكل 1000 ولادة حية ، فأنغولا
260/1000 ولادة حية ، فأفغانستان 257/1000 ولادة حية ، فليبيريا 235/1000 ولادة حية
، فدولة مالي 231/1000 ولادة حية ، فالصومال 225/1000 ولادة حية ، و من ثم غينيا
بيساو 211/1000 ولادة حية ، فجمهورية الكونغو الديمقراطية 205/1000 ولادة حية ، و
من ثم زامبيا 202 /1000 ولادة حية ، و تشاد 200/1000 ولادة حية ، و بوركينا فاسو و
موزمبيق 197/1000 ولادة حية ، بورندي 190/1000 ولادة حية ، و من ثم في المرتبة
الخامسة عشرة كل من موريتانيا و نيجيريا و راوندا بمعدل 183/1000 ولادة حية .
و قد تعمدت ، عزيز القارئ ، ألا أضع هذه الأرقام في جدول ، حتى لا تسول لك نفسك أن
تمر عليها مرور الكرام ! و حتى تدرسها و تقرأها أجمعها ! فاعذرني على ديكتاتوريتي
هذه ، و امض معي متكرماً فيما أطلب إليك أن تفعل ، و تابع ..
و ربما أكون قد أطلت قليلاً في سرد هذه الأرقام .. و هي في الواقع ليست إلا غيض من
فيض في هذا التقرير الذي نشر و سلسل دول العالم أجمع بحسب مقياس معدل وفيات الأطفال
في الأعمار المختلفة ، و أردت من هذا العرض إثارة ثقافة القارئ العزيز ، و الذي لا
شك لاحظ بأن جميع هذه الدول ، باستثناء أفغانستان ، هي دول إفريقية !
ليس ذلك فحسب ، بل إنه ، و باستثناء الدول الإفريقية العربية (دون الصومال و
موريتانيا) ، لم تكن هناك أية دولة إفريقية بعد الترتيب 69 (ناميبيا) في هذا الجدول
! علماً أن العديد من الدول يمكن أن تشترك في المرتبة نفسها ، و باعتبار أن التصنيف
يعطي الرقم الأقل للدولة صاحبة المعدل الأكبر للوفيات ، و الرقم الأكبر للدولة
صاحبة المعدل الأقل ... و هكذا ، ففي التدريج الذي تكون سيراليون في مقدمته (1) و
السويد في ذيله (193) ، نجد أن أكثر من 85% من قارة أفريقيا قد نال مراتبه حتى
الترتيب 69 !
ترى ، هل يمكن اعتبار هذا من باب المصادفة ؟ و هل يمكن أن ننشغل في دراسة سبل
الوقاية من الإيدز و تحسين التغذية و إيقاف الحروب في القارة الإفريقية و فقط ؟
لست الآن في معرض الحديث عن المسببات و الآليات في حدوث هذه الوفيات ، و ربما أتحدث
عنها في مقال قادم ، و لكنني الآن في معرض الحديث عن التوزع و الانتشار ، و الذي ،
إذا اعتبرنا الأطفال عينة قابلة للتعميم ، نرى معه أن أفريقيا تموت أكثر من غيرها ،
و أن المنايا خبط " أفريقيا" و ليست خبط عشواء ، كما كان الحال في أيام زهير !
و إذا اتخذنا معدل الأعمار المتوقع عند الولادة لجميع الأفراد مقياساً لدرجة الموت
(أو الحياة إن شئت ..!) نجد أن معدل الأعمار في جميع أنحاء العالم كان إجمالاً 64
سنة و ذلك حسب اليونيسيف أيضاً في تقريرها الخاص الذي نشرته في العام 2003 ، شاملاً
في ذلك جميع دول العالم من سيراليون و حتى السويد ! و لكن و بقليل من التفصيل نجد
أن معدل الأعمار هذا بلغ 57 عاماً في غانا ، 54 في السنغال ، 53 في كل من الغابون و
ليبيريا و مدغشقر ، 52 في كل من موريتانيا و مالي و إريثريا ، 51 في الكونغو و
تنزانيا و غينيا ، 50 في جنوب إفريقيا و الكاميرون ، 49 في تيمور الشرقية ، 48 في
الصومال ، 47 في بوركينا فاسو و غامبيا ، 46 في تشاد و النيجر ، 45 في أنغولا و
ناميبيا و غينيا بيساو و أوغندا ، 44 في إفريقيا الوسطى و إثيوبيا ، 43 عاماً في
زيمبابوي و هاييتي و أفغانستان ، 42 في جيبوتي و زامبيا ، 41 في بورندي ، 40 في
سيراليون و مالاوي و راوندا ، ... إلخ ، و أخيراً ... 39 عاماً فقط في بوتسوانا !
لاحظ ، أخي القارئ ، أن الدولة المعمرة في إفريقيا ، باستثناء الشمال الإفريقي
العربي ، تقل فيها معدلات الأعمار عن المتوسط العالمي بسبعة سنوات أي بحوالي 12% من
معدل الأعمار المتوقع .
و لا أخفي عليكم ، فقد اكتفيت أثناء دراستي للجدول الخاص بمعدلات الأعمار في مختلف
مناطق العالم بالنظر في خانة العمر ، و إذا وجدتها 45 أو أقل تأكدت من أنها دولة
إفريقية ! ويكأن الموت لم يعد يمهل الناس حتى ثمانين حولاً ! بل إنه يحصدهم في
أعمار بمعدل بلغ حوالي نصف هذا الرقم في معظم المناطق الإفريقية ، و أظن أنك معي
عزيز القارئ إذا اعتقدت بأنه ليس من قبيل المصادفة أن يكون المعدل الأقل للأعمار في
العالم ، و الذي بلغ 39 سنة ، أي قبل أن يبلغ المرء أشده ، كان من نصيب دولة
إفريقية ألا و هي بوتسوانا .
إفريقيا إذاً هي القارة المسلمة ، و هي القارة السوداء ، كما تسمى في المحفل
العالمي ، أما ما لا يذكره العالم علناً أن إفريقيا هي قارة الأزاهير و العطور و
الألماس و الذهب و المعادن الثقيلة و قارة النفط في الفترة القادمة و قارة
اليورانيوم و البلوتونيوم و قارة اليد العاملة و قارة السيليكون أيضاً .. ربما لذلك
أريد لها أن تكون قارة الموت ! حتى تظل مكاناً دون سكان .
هذا من ناحية ، من ناحية أخرى نجد أن الدولة التي احتلت المرتبة الأولى من حيث
انخفاض معدلات الوفيات بين الأطفال بأعمار أقل من 5 سنوات و بالتالي انخفاض احتمال
الموت لدى هؤلاء الأطفال هي السويد ، و ذلك بمعدل وفيات بلغ 3 حالات وفاة فقط /
1000 ولادة حية !! تلاها في ذلك كل من أيسلاندا و النرويج و سنغافورة و الدنمارك
بمعدل 4 وفيات / 1000 ولادة حية ، و في المرتبة الثالثة كل من النمسا و فنلندا و
ألمانيا و اليابان و لوكسمبورغ و مالطا و موناكو و سلوفينيا و اليونان ، بل و كوريا
الجنوبية و ذلك بمعدل 5 حالات / 1000 ولادة حية ، ثم سويسرا و أسبانيا و البرتغال و
أستراليا و نيوزيلندا و إيطاليا و قبرص ، ثم بريطانا و كندا خامساً ، و سادساً
الولايات المتحدة الأمريكية و ماليزيا و كورتيكا ، و في المرتبة السابعة كل من
الإمارات العربية المتحدة و سلوفاكيا و هنغاريا !!
و بالنسبة لمعدلات الأعمار نسردها أيضاً و نلاحظ أن معدل الأعمار بلغ في السويد 81
عاماً ، و كذلك في اليابان و هو المعدل الأعلى على مستوى العالم ، و كان معدل
الأعمار 78-79 عاماً في كل من أستراليا و النمسا و بلجيكا و فرنسا و فنلندا و
ألمانيا و آيسلاندة و كندا ، و 75-77 في العديد من الدول منها الإمارات العربية و
تشيلي و البوروغواي و غيرها .
و هنا نجد أن معدل الأعمار وصل في الدولة المعمرة و هي السويد لرقم أكبر من المعدل
العام لسكان العالم بحوالي 27 % ! .
و أنا معك عزيز القارئ إذ لم تستغرب أو تندهش من هذه النتيجة ، و كأننا توقعناها
بمجرد ما استعرضنا الدول الأكثر خطراً على حياة الأطفال و الأقل أعماراً في قسم
سابق من هذا المقال ، و كأننا هنا ننظر إلى الصورة السلبية (النيغاتيف) من مجموعة
الدول سالفة الذكر الإفريقية ، و تماماً كما تزاحمت الدول الإفريقية على تلك
المنازل ، تزاحمت هذه الدول على هذه المراتب !
و كما أن الموت مركز في إفريقيا ، فالحياة في هذه الدول مركزة أيضاً ، إنما ضمن 3
أقطاب أساسية هي أوروبا و اليابان و القارة الأمريكية ، و هي أقطاب العالم الجديد ،
و هي ما يسمى بدول الشمال في منظمة التجارة العالمية ، و هي أيضاً دول المركز ، أو
دول المحور ، و هي الدول الأكثر تقدماً و تطوراً من كافة النواحي الاقتصادية و
السياسية و العلمية و الثقافية و الفنية و الغذائية و العسكرية ... تماماً على
النقيض من الدول الإفريقية السالفة الذكر ، و كأن هاتين المجموعتين المتناقضتين هما
من كوكبين مختلفين ! و ليستا فقط في قطبين متقابلين .
لعل وجود إفريقيا و ما فيها هو الذي أدى إلى نشوء تلك الأقطاب الثلاثة و ما فيها !
أو على العكس ، لعل الدول الأقطاب لم تتمكن من الوصول إلى ما وصلت إليه إلا بعد أن
تطفلت على موارد قارة ضخمة هائلة المقدرات و الإمكانات و الثروات ، و في نفس الوقت
لا يمكن أن ينشغل العالم بها و بكوارثها و حروبها و مشاكلها و أمراضها و جهلها و
فقرها !
إن بعض الهيئات العلمية و المؤسسات البحثية و الشركات تقوم بالعديد من أبحاثها و
تجاربها في قارة أفريقيا ، و لا سيما فيما يخص بتطوير الأسلحة الجرثومية و
الفيروسية و الكيميائية ، فإذا طرأ خلل ما ، أو مشكلة أدت إلى تفشي مرض مميت أو إلى
خروج الأمور عن السيطرة .. فليحدث ذلك في إفريقيا ! فهي القارة التي لن يضيرها
سلخها بعد ذبحها !
أنا لست ضد أي طفل من أطفال العالم ! إذ إن الأطفال هم من الكائنات اللطيفة و
البريئة و البسيطة و التي لا تزال في غالبية الأحيان على الفطرة التي فطرها الله
عليها ، تحب الخير لها و للآخرين ، و تكره الشر لها و للآخرين ، و تبادل الإساءة
بالحسنة ، و الكره بالمحبة ، و تخلص لذويها ، و تطيع أهلها . و لست أحسد أطفال
السويد على معدلات الأعمار المرتفعة لديهم أو على انخفاض معدلات وفيات الأطفال ، و
هي بالفعل منخفضة ، فكيف يمكن أنه خلال عام كامل لا يموت إلا ثلاثة أطفال في الوقت
الذي ينجب فيه 1000 طفل ! و لكن أعود فأقول إنني لا أحسد أحداً ، و جل ما أفعل أنني
أدعو نفسي و أدعو الأخ القارئ إلى التفكر في هذه الأرقام ، و فيما تقوله و فيما ما
لا تقوله أيضاً ! ليكون التفكر سبباً للتوجه و العمل و الاستفادة و الوصول إلى ما
وصل إليه من كان في الماضي يتبعنا لاهثاً لكي يصل إلى ما كنا فيه ! .
لكنني أندهش كيف تتفاوت نسب الوفيات بين دول العالم و بهذا البون الشاسع ، حيث يموت
أطفال سيراليون أكثر من نظرائهم السويديين بحوالي مائة و خمسة أضعاف ! بمعنى أنه
إذا رزقت بطفل في سيراليون فهذا يعني أن طفلك هذا معرض للوفاة أكثر من الطفل في
السويد بأكثر من مائة مرة !
ليس هذا فقط ، بل إن هذا التباين يشاهد أيضاً بين سكان نفس المنطقة ، فعلى سبيل
المثال ، أجريت إحصائية على معدلات الوفيات بين الأطفال بأعمار أقل من خمسة سنوات
فيما يسمى بإسرائيل ، و أنا في الحقيقة مندهش كيف أنه يمكن القيام بمثل هذه
الإحصائية ، ذلك أن الإحصائية تتطلب أصلاً كياناً و مجتمعاً متأصلاً و أصيلاً ،
ارتبط بالأرض و التاريخ و تآثر فيهما و تأثر و أثر ، و تعلق بالسماء و النجوم في
الدولة التي يقطن فيها ، لا فرداً محتلاً ترفضه الأرض و تغضب عليه السماء و تمقته
الأشجار و الأحجار .. !
الخلاصة ، أنه بموجب هذه الإحصائية فقد تبين أن معدل وفيات الأطفال بأعمار أقل من 5
سنوات فيما يسمى بإسرائيل كان 6/1000 ولادة حية فقط ! و احتلت هذه النسبة بهذا
الرقم مكاناً في المرتبة الرابعة على مستوى العالم من حيث انخفاض معدلات الوفيات
بين الأطفال ، في حين تبلغ معدلات الوفيات بين الأطفال في فلسطين ، و هم الأطفال
الذين يأس منهم الموت ، و جادت بهم الحياة ، و أنيطت بهم مهمة المرابطة ، و التضحية
بهذه الحياة الغالية جداً في سبيل الله و الوطن ، بلغت معدلات الوفيات بينهم 24
حالة وفاة / 1000 ولادة حية .
علق أحد المسؤولين في وزارة الصحة الإسرائيلية على هذه النسبة بأنها لا تزال منخفضة
! و ربما ، بالنسبة لما يكابده هؤلاء الأطفال و بالنسبة لخطط القتل و التدمير و
التهجير التي تمارس في حق أبسط حق يمكن أن يطلبه إنسان ألا و هو حق الحياة ، ربما
كانت فعلاً منخفضة ، و قياساً ببعض الدول الإفريقية التي تبلغ فيها هذه المعدلات
316 / 1000 ولادة حية ، و لتكن منخفضة ..! كيداً في الغاصبين القاتلين ، و إرغاماً
لهم ، و قد باتوا يعلمون الآن أنهم مهما يقتلون .. فهناك المزيد الذي ينتظر أن يضحي
بنفسه ليقتل في سبيل الله ، و هذا ما يقض مضجعهم ، ذلك أن نسبة الولادات و الخصوبة
في أصلاب الفلسطينيين نسبة مرتفعة و كبيرة ، كما أن العبرة في هذه الحالة هي في
النوع و ليس في العدد ، و ربما شاء الله تعالى أن يكون في فلسطين أطفال يطلبون
الموت فتوهب لهم الحياة ، أطفال يقهرون الموت ، و يضحون بهذه الروح الغضة الخضراء ،
فيكونون مثالاً يحتذى لغيرهم ، و درساً و عبرة لمن لا يعتبر من المحتل الذي مهما
انخفض معدل الوفيات لدى كيانه ، فهو ميت لا محالة ! و على أيدي رجال الموت القادمين
، و هو الذي يحرص على الحياة و يود لو أنه يعمر ألف سنة ، ليس كمثل الطفل الفلسطيني
الذي يود لو يقتل في سبيل ربه ألف مرة ! إن كل من يموت من الإسرائيليين لا يساوي و
لا حتى حذاء طفل فلسطيني واحد ، لكن أي جرح يصاب به هذا الإسرائيلي أبلغ أثراً و
أخطر من قتل كل الفلسطينيين .. و ذلك لحبه لحياته و تعلقه بها !
ماذا عن العراق .. ؟ الذي لا تخفى حاله عن أحد .. و الذي بعد أن عانى كثيراً من
الحصار .. أتبع بحرب ضروس لا هوادة فيها ، و ها أنذا أورد ما اقتبسته من تقرير
وزارة الصحة العراقية و الذي أدت دراسات و أبحاث منظمة اليونيسيف الخاصة في هذا
الصدد إلى النتيجة نفسها ، فقد أشارت الإحصائيات الرسمية لوزارة الصحة العراقية
الصادرة في كانون الثاني من العام 2002 إلى الوفيات خلال فترة الحصار , و أفادت أن
معدل وفيات الأطفال الرضع لعام 1999 بلغ 107 حالة وفاة /1000 ولادة حية , وبلغ معدل
وفيات الأطفال دون سن الخامسة 130 حالة وفاة /1000 ولادة حية , في حين كان معدل
وفيات الأمهات في سن الحمل 294 لكل مائة ألف ولادة . كما أوضحت الإحصائيات أن معظم
هذه الوفيات كانت بسبب التلوث المائي الناتج عن عدم حصول 86% من العراقيين على
الماء الصالح للشرب , بسبب تضرر وحدات التصفية , وعدم إمكانية إصلاحها واستيراد قطع
غيار جديدة لها لظروف الحصار الذي كان مفروضاً عليها قبل الحرب . و قد سجلت وزارة
الصحة مليون و650 ألف حالة وفاة خلال أعوام الحصار حتى وقت صدور التقرير . وأكد
التقرير أن إشعاعات اليورانيوم المنضب كانت أشد وطأة على الصحة والبيئة في العراق
من الحصار , إذ تسببت في حالات تشوه خلقية كثيرة , فضلاً عن ظهور حالات سرطانية لم
تكن موجودة في العراق سابقاً ، مضيفاً أن عددا من الأمراض الإنتانية , التي أعلن
العراق عن خلوه منها قبل التسعينيات , عادت لتسجل حالات إصابة فيها في مناطق متعددة
من العراق . كما إن عدم توفر المعدات اللازمة لتشخيص الأمراض الانتقالية المعدية ,
مثل مرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) والسحايا والفيروسات المسببة لالتهابات
الجهاز التنفسي الحاد لدى الأطفال , إضافة إلى أدوات ومواد تشخيصية بكتربولوجية
أخرى بسبب ظروف الحصار يقلل من كفاءة التشخيص و دقته و يؤخر في كشف الأمراض في مثل
تلك الظروف مما يسيء إلى الصحة العامة في تلك المنطقة المنكوبة .
و نرى هنا من جديد أن المنايا خبط المظلومين في العالم من الاحتلال و الظلم و
العدوان و القهر ، و ليست خبط عشواء .
ليس هذا فقط ، بل إن معدلات الوفيات تختلف في سكان نفس المدينة أو الدولة حتى و لو
لم تكن تعاني من الاحتلال ، و أكبر مثال على ذلك الولايات المتحدة الأمريكية ، إذ
نجد فيها أن معدلات الوفيات بين الأطفال السود تبلغ حوالي 3 أضعاف ما هي عليه عند
الأطفال البيض ! و إذا ما سألت أحداً عن ذلك تراه بكل سطحية يخبرك أن سبب ذلك هو
الفقر ! و لماذا يكون هذا التنباين في مكان يفترض أنه يعلن أن الجميع فيه سواء ؟
فلماذا يكون البعض فقيراً لدرجة الموت بينما يكون الآخر الأكثر غنىً حياً يرزق
يتمتع الصحة و الدعة ؟!! ترى ، هل تميز الحياة ، أو الطبيعة ، بين غني و فقير ؟
بمعنى آخر .. هل نجد أن المنايا خبط "الفقراء" في هذا الزمن ، و ليست خبط عشواء ؟؟
كمثال آخر على تأثير السياسة في معدلات الوفيات ، نذكر أن معدل الوفيات في كوريا
الجنوبية ، حليفة الولايات المتحدة الأمريكية ، بين الأطفال بأعمار أقل من 5 سنوات
كانت 5 /1000 ولادة حية ، بينما بلغت في جارتها الشمالية التي يبدو و كأنها تستعدي
بمواقفها الولايات المتحدة الأمريكية رقماً مختلفاً و هو 55 حالة وفاة / 1000 ولادة
حية ، أي أكثر من جارتها بأحد عشر ضعفاً ، الأمر الذي جعل بين البلدين فرقاً في
المرتبة بلغ 175 درجة ! (الشمالية 178 ، و الجنوبية 73) !
نعم ، الأعمار بيد الله ، جميعنا مؤمن بهذا ، كما أن كل أمر بيد الله سبحانه و
تعالى ، لكن الله عز و جل يدعونا للتفكر في أسباب الموت و الحياة ، و يدعونا أن
تكون حياتنا حياة نبيلة و شريفة ، و موتنا في سبيله موتاً شريفاً و كريماً و نبيلاً
، كما يدعونا ألا نجعل مرضاً بسيطاً مثل الإسهال أو التهاب الأذن الوسطى سبباً في
موت أكثر من 22% من الأطفال في مجتمع ما كالهند ، بحيث يأتي في مقدمة مسببات الموت
التي هي في نفس الوقت القابلة للوقاية و المعالجة !
نحن مسؤولون عن حياتنا هذه ، و عن موتنا أيضاً ، و لا يظن أحد أن العمر ليس غالياً
أو أن الحياة رخيصة بحد ذاتها ، بل على العكس .. إنها غالية ، و عزيزة على القلب ،
و على هذا جبل الإنسان ، لكنها ترخص و تهون في سبيل ما هو أغلى منها ، و إن أعظم
خطيئة يمكن أن يرتكبها بشر بحق بشر .. هي القتل ، فالحياة نعمة لا بد من صيانتها و
المحافظة عليها ، و ألا تبذل إلا في سبيل خالقها و مالكها .
أما الحياة في معظم إفريقيا فهي نقمة ، و الموت هناك انتحار ، أو هو جريمة قتل
جماعية ينفذها الكبراء و السادة في هذا العالم اللامتوازن ، جريمة اعتقد منفذوها
أنه لا يمكن إلا لنوع بشري واحد أن يعيش ، و هو النوع الذي يستحق فعلاً هذه الحياة
، و أن البقاء على هذه الأرض إنما يكون للأقوى ! في منطق مستهجن غريب .. و لا نملك
أن نقول إنه منطق حيواني .. بل على العكس .. يوجد لدى الحيوانات و النباتات أسلوب
راق جداً للحياة ، نتمنى لو يتبعه الكثير من البشر ، ففي مملكة النباتات و
الحيوانات يضحي من لا فرصة له في البقاء بحياته من أجل من له الفرصة في البقاء ! و
ذلك حتى يحفظ النوع و تستمر الحياة ! و ليس كما يحلو للكثير من العلماء التهيؤ بأن
الكائن الأفضل و الأقوى هو الذي يستمر ! إنه نوع من الاستشهاد و البذل و التضحية في
هذه العوالم ، حيث يضم الفرد فيها حياته لحياة المجموعة فيعيش طالما بقي أي فرد
منها حياً ، و لا يحدد عمره بعمر روحه و جسمه ، إنه التوازن الذي أبدعه الخالق جل و
علا ، و الذي إن تدخل فيه الإنسان ، و لو بقصد الإصلاح ، عبث فيه و دمره !
هناك بعض الأقوام اليوم ينافسون أقواماً غيرهم على الحياة فوق هذه الأرض ، و
يحاولون أن يطبقوا قانون أرخميدس الذي توصل فيه إلى أنه لا يمكن لأي جسمين أن يشغلا
الحيز نفسه في الفراغ ، يحاولون أن يطبقوه على الحياة ، حيث إن تعداد سكان الأرض في
ازدياد ، و لا بد من الاقتصاد في الأفراد ، و هنا ، لا يستحق الحياة إلا من يقتل
الآخر و يبيده بأي شكل من أشكال الإبادة ، و لك أن تختار الوسيلة الأكثر ملاءمة
لإبادة هذا الآخر من بين الحروب و الضربات العسكرية ، أو محاربة الإرهاب ، أو
التدمير الاقتصادي ، أو التدمير البيئي ، أو السيطرة و الاستعمار المباشر ، أو
الاستعمار السياسي و غيرها .
و نتيجة لهذا القانون .. لم تعد المنايا خبط عشواء ، و لم يعد الموت نتيجة لتدهور
الحالة الصحية أو لتقدم الإنسان في العمر فحسب .. بل إنه بات وسيلة لتنفيذ مآرب
أخرى ! و صار يتدخل فيه كل من الجغرافيا ، و السياسة و الحروب ، و الاقتصاد ، و
اللون ، و الجنس !! أما الحالة الصحية .. فنادراً ما تتدخل في التسبب بالموت ،
اللهم إلا في مجتمعات و شعوب دول الشمال القاطنين في كواكبهم العالية ، و الذين
ينشر لديهم في وسائل الإعلام عن حالة لطفلة مهاجرة إليهم من دولة مجاورة مصابة بنوع
غريب من الأمراض .. ألا و هو "الإسكاريس" !! و الذي هو مرض شائع و منتشر جداً بين
الأطفال في مجتمعات و شعوب دول الجنوب .
إن الموت هو المحصلة النهائية التي نصادفها في آخر الطريق ، نتيجة لسوء العديد من
العوامل و الظروف ، إن الموت هو الوجه الآخر للحياة ، و هو في نفس الوقت التعبير
الناجم عن انعدام ظروف الحياة ، أو تلاشيها ، من مطعم و مشرب و صحة و علاج و وقاية
و تعليم .. إن الموت هو شكل من أشكال غضب الحياة على عدم تقديرها و احترامها ، و لو
كان الموت في سبيل هدف غال أو في دفاع عن وطن أو شرف أو عرض أو حق .. لكان الموت
أغلى من أغلى حياة ، و لكن الموت هنا تحصيل حاصل ، إنه إما سبب لغاية يبررها آخرون
أو نتيجة للا مبالاتنا بذاتنا ، إنه يحدث ، دون أن يخطط له في عملية استشهادية أو
في دفاع عن الحقوق و المقدسات أو في سبيل الواجب و الوطن ، إنه يحدث لأنه ليس هناك
حياة ..!
إن المتأمل في الأرقام التي أوردتها ، و الجداول المنشورة في مطبوعات اليونيسيف ، و
فيما يحصل الآن في العالم يجد أنه ثمة خطة تحاك لتصفية الشعوب و السكان في الدول
التي تحتل الترتيب الأدنى في جداول اليونيسيف .. فمن إفريقيا المبادة عمداً ، و
الموؤودة ظلماً ، إلى أفغانستان التي هي الدولة القريبة من إفريقيا من حيث الأوضاع
و المعدلات ، و بعد إفريقيا و أفغانستان يأتي في الترتيب العراق و هو بالفعل الدولة
الثانية الخارج إفريقية بعد أفغانستان في ترتيب اليونيسيف ... و لا أحد يدري ماذا و
من بعد ..! و ربما كان أحد يدري .. لا أدري ..! لكن من الواضح أن هناك استهداف
للدول و الشعوب الأضعف فالأضعف ، و الأفقر فالأفقر .
المهم أن المنايا ، يا زهير ، يرحمك الله ، ليست على أيامنا هذه خبط عشواء ، إنها
خبط الضعفاء ، خبط الفقراء ، خبط المصابين بسوء التغذية و الإسهالات ، خبط الدول
النامية و دول العالم الثالث ، خبط المظلومين ، خبط النفط ، خبط المحتلة أراضيهم و
المغتصبة حقوقوهم ، خبط السود ، و غيرهم ...
و لنحن أولى بأن نسأم من تكاليف الحياة الباهظة ، و التي لا يستطيع إلا القليل الذي
يستحقها .. أن يفي بها .