إذا تكلم الأطباء في السياسة ..!
د.
أحمد شراب
اختصاصي أطفال و علوم وراثية
المملكة العربية السعودية - جدة
حان
الوقت للتكلم ! لم يعد من المقبول السكوت ، بل لم يعد من الممكن
ذلك ، حاولت جاهداً و مراراً و تكراراً أن أتجنب الحديث في
المواضيع السياسية فلم أستطع ، تطرقت إلى المواضيع الطبية ، و
المواضيع الاجتماعية و التربوية ، أما السياسة .. فلا ! و ليس
هذا من باب الخوف من شيء أو من أحد ، فلا شيء مخيف فيما يمكن أن
أقوله ، و أنا بطبيعيتي لا أسعى لأن أستعدي أحداً أبداً ، فالكل
صديقي ، و الكل في صفي ، لكن .. يبدو أن هناك سمعة التصقت
بالأطباء دائماً و منذ القديم ، و عرف راودهم فلم يحل عنهم ، و
ذلك أن الأطباء معشر لا يتكلم إلا في الطب ، و هم أولئك الأشخاص
المتقدمون في السن ، أو الذين يبدو عليهم انهم كذلك ، و الذين
يلبسون النظارات الطبية ، و عادة ما يفقدون قسماً معتبراً من
أشعارهم .. فتظهر الصلعة منيرة على رؤوسهم ، و هم القوم الذن إذا
اجتمعوا في مناسبة اجتماعية ، أو عن طريق الصدفة .. تراهم
اكتنفوا بعضهم و كأن هناك ما يخبر كل واحد منهم أن الشخص الذي
أمامه أو بجانبه هو طبيب ، و انكفأوا على أنفسهم .. بحيث لا
يستطيع أحد اختراق صفوفهم .. و كأنهم لم يملوا من ممارسة المهنة
في عياداتهم و مستشفياتهم ، فيبدؤون بتجاذب أطراف الحديث الطبي
.. حيث تتلاقح الآراء .. و تنضج التجارب ، فإذا رمت أن تغير
الحديث باتجاه موضوع آخر .. تراه لا إرادياً عاد و انفتح على
مصراعيه طبياً ، و يكأنهم لا يحسنون الكلام إلا في الطب . هم في
رأي بعض الناس ، أفذاذ المثقفين الذين قضوا نصف أعمارهم في
الدراسة و تحصيل العلوم الطبية التي لا تنتهي ، فلم يكد يبقى في
عقولهم و لا أرواحهم إلا الطب ، و كنت أستغرب حقاً و أنا طفل
صغير حينما أسمع عن طبيب أصبح رئيساً أو وزيراً أو سياسياً ،
فالأطباء في السياسة .. ليسوا سوى الجنود المجهولين الذين يقفون
خلف الكواليس يسهرون على راحة و صحة السياسيين ، و هم على الرغم
من أنهم يعرفون أحياناً أدق التفاصيل و أخطر الأسرار عن حياة
السياسيين بحكم مهنتهم كأطباء لهم ، إلا أنك نادراً ما تجدهم على
الساحة .. أو واقفين بجوار أحد الشخصيات المشهورة ، إنهم دائماً
وراء الأضواء .. ليبقى أحد ما تحت الأضواء ، ترى فلاناً من
الشخصيات السياسية أو الاجتماعية قام بإجراء عملية جراحية مثلاً
أو أصيب بأزمة صحية ما ثم تماثل للشفاء ، و لله الحمد ، و لا
تعرف شيئاً عن حشود الأطباء الذين كانوا سبباً في هذا الشفاء ، و
تلاحظ فجأة أن شفاه إحدى الممثلات غدت أكثر نضارة و امتلاءً ،
فلا تتساءل عن ذلك الطبيب السري الذي جهد و تحمل إجراء هذه
العملية .
و برأي البعض أبضاً .. فالأطباء هم الأشخاص الذي لا يهتم بهم أحد
إلا عندما يقع في المرض ، عافانا الله و إياكم ، حيث يصبح الطبيب
عندها مركز الأحداث ، و يتحول فجأة كنجم من نجوم هولييود ، تلتف
حوله العائلة و تشرأب إليه الأعناق ، و قبل هذه الحادثة .. لم
يكن أحد يقيمه من أرضه ، بل ربما تساءل البعض : ترى لماذا يصبح
بعض الناس أطباء ؟! . و ينظر آخرون إلى الطبيب على أنه الشخص
الذي لا تراه إلا في العيادات و المستشفيات ، أو في نهاية بعض
نشرات الأخبار ، عندما يسخن موضوعه جداً كما في الفياغرا، أو
واقفاً بجوار " دوللي " أو متقوقعاً في بعض مواقع الإنترنت التي
ليس لها علاقة أبداً بشيء .. إلا بالطب و علومه و أخباره ، و
بالتالي فهو ينظر إلى العالم من منظار طبي ، فلا تهمه أحداث
فلسطين و العراق بقدر ما يهمه السارس SARS و اليورانيوم المنضب ،
و جل مشاكله أنه لم يتمكن من إجراء جراحة المنظار لمريضه بسبب
تحسسه من ثاني أكسيد الكربون أو عدم تحمله له ، و اضطر آسفاً
لإجراء جراحة اعتيادية ! و ما ينغص عيشه أنه لظرف ما تأخر عن
موعد المستشفى أو غرفة العمليات .. فلهف زميل له الغرفة و أجرى
عملياته فيها قبله !
إنه ، كما قيل لي من قبل البعض ، الشخص الذي يعيش على آلام
الآخرين ، و الشخص الوحيد الذي يكون سعيداً عندما تمتلئ عيادته
بالمرضى ، و هو النوع الذي سينقرض عندما يصل المجتمع إلى قمة
رقيه الصحي العام ، تماماً كما سينقرض الفقراء في مجتمع الأغنياء
، و من هذا المنطلق .. فهو الشخص الذي لا يرحب به أبداً إلا
مصادفة ، و لا يتمنى له أحد أن يدخل بيته إلا زائراً ، و في مثل
هذه الحالات فحديثه مرحب به إن لم يخرج من " كاره " و لم يتعد
على فنون أخرى .. فهو طبيب .. ما الذي يعرفه حقاً في السياسة ؟!
ينزعج البعض منه لأنه شخص اعتاد على التوبيخ و إطلاق الأحكام
الجزافية ، و التي بالنسبة إليه .. أحكام مقدسة لا يمكن أن تكون
خاطئة أو باطلة ، فالطفل مريض لإهمال أبويه له ، و الرجل مريض
لأنه لم يحم نفسه من المرض ، و هذا خلع اسنانه لأنه مهمل في
تنظيفها و لم يراجع طبيب أسنانه مة كل ستة اشهر على الأقل ،
فالالية الوحيدة للمرض من وجهة نظره .. المريض بحد ذاته ، و لولا
المريض ، لم يكن هناك أي مرض ، و عبثاً تحاول أن تخبره أنك قد
اتبعت كل وسائل الحيطة و الحذر ، و أنك سددت كل ذرائع المرض لكن
دون جدوى ! فالمرض واقع لا محالة ، و بقدر ما يعتاد الطبيب على
هذا النوع من التوبيخ و التقريع .. ينسى الكلام في مواضيع أخرى !
و الآن أتنفس الصعداء بعد أن تناولت هؤلاء الأطباء بما فتح الله
علي في ما سبق من هذا المقال ، و الواقع أنني كطبيب ، لا أهزأ من
الأطباء أبداً .. بل على العكس .. فأنا أعتبرهم أساس الحياة على
هذه الأرض ، و أرى أن الأرض تدور بحسهم ، و أنهم أشخاص نادرون
جمعوا إلى العلم و الثقافة .. كل الأخلاق الحميدة و الآداب
الإنساية الراقية ، المخلصون الجيدون منهم طبعاً ، و هم حقاً
مهرة نجيبون ، فمن استطاع التعامل مع علل الناس و درسها و فهمها
، يمكن أن يعالج أي علة في أي مجال و تبعاً لأي اختصاص ، تراه في
السياسة حكيماً ، و هذا هو اسمه الثاني ، و في الفن معطاءاً ، و
في الجامع شيخاً ، و في المدرسة أستاذاً ، لأن مهنته تفرض طابعها
عليه ، و الحديث دائماً يخص ذوي الأفضال منهم ، و الفضل لله
تعالى ، فتغدو روحه عارفة ، و ذهنه متقداً ، و بصيرته نافذة ، و
ملاحظته دقيقة ، و ينتبه إلى بواطن الأمور و خوافيها كما إلى
ظواهرها و معانيها ، و هو سيد من اتخذ القرار و توصل إلى تشخيص
الأحوال ، و أحسن من اختار العلاج الناجع الذي ينهي أسوأ الحالات
و أنحس الأوضاع ، و نحن نعلم دوماً أن ما لا يمكن لطبيب أن يعرفه
و يتعلمه .. لا يمكن لأحد أن يعرفه أبداً .
و أرجو ألا يساء فهم كلامي هذا .. فهذا ليس اعتذارأقدمه لزملائي
على ما بدر مني في هذا المقال ، بل إنه من قناعاتي و معتقداتي ..
و إنما كنت أحاول أن أفصح في مطلع المقال عما يعتمل في صدور كثير
من الأناسي ، و الذين يمكن أن يغضب عليهم أو أن ينفوا من قبل
الأطباء فيما لو تجرأ أحد عليهم بمثل هذا الكلام ، و أن أهاجم
معشر الأطباء في عقر دارهم و في وضح النهار ، عل ذلك يخفف من
معاناة الناس من جراء ما يتجمع في قاع النفوس ، فها أنذا شاهد
منهم ، ربما ألام إن تحدثت بمثل هذا الحديث .. و لكني منهم ، و
هم مني في نهاية المطاف ، لا أهون عليهم .. و لا يهونون علي ، و
سترجع المياه إلى مجاريها بيننا في القريب العاجل ، فنحن زملاء
المهنة ، و كما يقول المثل .. أنا و الدكتور على الصيدلي .. و
أنا و الصيدلي على ... المريض !
المشكلة عزيزي القارئ .. أنني بعد كل هذا اللف و الدوران .. لم
أبدأ حتى بالحديث في السياسة ، و لم أتكلم فيما أردت أساساً أن
أتكلم عنه ، و لعلكم ستجدون ذلك في المقالة القادمة .. إن شاء
الله تعالى ، يبدو أن الأطباء فعلاً .. لا يتكلمون إلا في الطب
.. أو عن الأطباء الآخرين ..
و اعذرونا .