داء السكر لدى الأطفال ( النوع الثاني)

 

د. المعتز الخير أحمد
اختصاصي أمراض السكر
مركز السكري مستشفى القريات العام
القريات الشمال المملكة العربية السعودية

 

داء السكر من النوع الثاني واحد من الأمراض المزمنة و المكلفة التي تصيب العديد الفئات العمرية. يصاحب هذا الداء العديد من المضاعفات منها الحاد و منها المزمن. إن فترة الإصابة بهذا الداء من العوامل الهامة التي تحدد ظهور المضاعفات المزمنة للمرض.
مع زيادة معدلات الإصابة بداء السكر و ارتفاع معدلات الإصابة بالنوع الثاني من السكر بين فئة الأطفال و المراهقين و ارتفاع متوسط العمر لتلك الفئات , بدأ ناقوس الخطر يدق للتنبيه على زيادة معدلات الإصابة بمضاعفات داء السكر المزمنة , مما يحمل مجتمعاتنا النامية عبأ كبير و تحديا للسيطرة على هذا الداء في هذه المرحلة خصوصا , حيث أن هذه الفئة تمثل النبع الثمين للمجتمعات النامية حيث أنها المصدر الأساسي للقوة العاملة و المنتجة للمجتمع.
حتى وقت قريب كان داء السكر الناتج عن اضطراب الجهاز المناعي للجسم ( النوع الأول) هو النوع المعروف بين الأطفال المصابين بداء السكر بينما تشكل الأنواع الأخرى حوالي 1-2% من إجمالي حالات الإصابة.
ولكن هذه الصورة أخذت بالتغير الحاد , حيث أشارت العديد من التقارير الدولية إلى أن تلك الصورة قد تغيرت كثيرا , حيث أن 8-45% من حالات داء السكري المشخصة حديثا بين الأطفال تنتمي إلى النوع الثاني غير الناتج عن اضطراب الجهاز المناعي.
إن هذا المفهوم الجديد لداء السكر بين الأطفال و المراهقين و ضع صعوبة جديدة بين أيدي المعالجين و هي تحديد نوع السكر المصاب به الطفل أو المراهق .
اعتمد بعض المعالجين على الصورة السريرية للمريض وقت الظهور الأولي للمرض , ينما لجأ البعض إلى ذلك إضافة إلى الفحوصات المخبرية المعقدة.
ولكن هناك بعض الخطوط التي قد تساعد في التفريق بين هذين النوعين:

داء السكر من النوع الأول:

1) يمكن ملاحظة أن اغلب المصابين لا يعانون من زيادة الوزن أو السمنة بل أن البعض قد يعاني من نقص الوزن
2) ملاحظة قصر الفترة الزمنية بين ظهور المرض و وضوح الصورة السريرية للمرض ( تعدد مرات التبول, كثرة شرب الماء و نقص الوزن غير المفسر)
3) ظهور الأجسام الاسيتونية وقت التشخيص ( أول صور المرض التحمض الاسيتوني لدى حوالي 35% من حديثي الإصابة)
4) ملاحظة المرور بفترة الاستقرار الاستقلابي و قلة الحوجة للأنسولين (فترة شهر العسل) , كما يلاحظ ارتفاع احتمالية الإصابة بتحمض الدم الاسيتوني.
5) 5% لديهم تاريخ عائلي لاصابة أحد أفراد الأسرة من الدرجة الأولى أو الثانية بداء السكر.

داء السكر من النوع الثاني:
1) ملاحظة أن اغلب المصابين يعانون من زيادة الوزن أو السمنة (85%) وقت التشخيص
2) ملاحظة البول السكري و عدم ملاحظة البول الاسيتوني (33%) كما في النوع الأول.
3) ظهور الأجسام الاسيتونية وقت التشخيص ( 5-25% يمثل تحمض الدم الاسيتوني أول صور الداء لديهم)
4) وجود تاريخ عائلي للسكري ( 45-80% يعاني أحد الوالدين على الأقل من الإصابة بداء السكر)
5) 74-100% من المصابين لديهم تاريخ عائلي للسكر و إن لم يظهر في الأجيال الأسرية الحديثة.
و لعله من الغريب أن يكون إصابة أحد أطفال الأسرة وهو المتسبب في اكتشاف حالات الإصابة بين أحد أفراد الأسرة حيث تستدعي إصابة أحد الأطفال استقراء الإصابة لدى جميع أفراد الأسرة .
6) مظاهر زيادة مقاومة الأنسولين مثل الشواك الأسود ( تغير جلدي يتميز بملمس مخملي ناعم مع زيادة في صبغة الجلد) و يظهر في بعض المناطق مثل المنطقة تحت الابطية و يظهر و اضحا لدى المصابين من ذوي البشرة السوداء (90%). إضافة إلى بعض الاضطرابات المصحوبة بزيادة مقاومة الأنسولين مثل تعدد التكيس المبيضي في السيدات.
غالبا ما يتم تشخيص داء السكري من النوع الثاني بين الأطفال و المراهقين بعد سن العاشرة . تمثل المرحلة العمرية 12-16 عام قمة فترات تشخيص الإصابة بين الأطفال و المراهقين.

رصد داء السكري من النوع الثاني:
لعل الرصد المبكر للمرض واحد من أهم خطوط الوقاية . و لعل الخطوة الأولى للرصد هي تحديد اكثر الفئات عرضة للإصابة بهذا الداء:
1) الذين يعانون من زيادة الوزن ( معامل كتلة الجسم اكثر من 85 مئوية بالنسبة للعمر و الجنس أو زيادة الوزن بالنسبة للطول اكثر من 85 مئوية أو زيادة الوزن لاكثر من 120% عن الوزن المثالي (50 مئوية) . إضافة إلى وجود اثنين أو اكثر من :
أ‌) تاريخ عائلي للإصابة بداء السكر من النوع الثاني بين الأقرباء من الدرجة الأولى أو الثانية
ب‌) الانتماء إلى مجموعة عرقية لديها زيادة في معامل الخطر للإصابة مثل العرق الأفريقي.
ت‌) وجود مظاهر زيادة مقاومة الأنسولين أو الاضطرابات المصحوبة بزيادة مقاومة الأنسولين.
يبدأ الرصد المبكر للسكر في هذه الفئة منذ العاشرة من العمر و يستمر بصورة دورية كل عامين أو يبدأ عند البلوغ أيهما اسبق.
يتم الاعتماد على فحص مستوى جلوكوز الدم الصائم أو بعد الأكل بساعتين أو عمل منحنى الجلوكوز في الحالات الغير و اضحة.
يتم الأخذ بعين الاعتبار أن مدة الصيام ينبغي أن لا تقل عن 8 ساعات من الامتناع عن تناول السعرات الحرارية. يمكن الاعتماد على الامتناع عن الأكل أثناء النوم بالنسبة للأطفال و عدم استخدام الصيام في أثناء اليوم لصعوبة ذلك.
التشخيص:
1) وجود أعراض الإصابة بداء السكر ( كثرة التبول,كثرة شرب الماء و نقص الوزن غير المفسر) إضافة إلى فحص السكر في أية لحظة بغض النظر عن الوقت بين تناول الطعام وفحص الدم اكثر من 200مجم/ دسل.
أو
2) ارتفاع سكر الدم الصائم لاكثر من 126مجم/ دسل
أو
3) ارتفاع سكر الدم بعد ساعتين من الأكل لاكثر من 200مجم/ دسل
قد يعتمد بعض المعالجين على العديد من الفحوصات المعقدة مثل وجود الأجسام المضادة لخلايا بيتا المفرزة للأنسولين أو تحديد مستوى الأنسولين بالدم أو مستوى السلسة الببتدية "سي" . و الجدير بالذكر أن مستوى الأنسولين أو السلسلة الببتدية "سي" قد يكون طبيعيا أو أعلى من الطبيعي لدى المصابين بالنوع الثاني من أنواع داء السكر.

الاضطراب الوظيفي لدى المصابين بالنوع الثاني من أنواع داء السكر بين الأطفال و المراهقين:
تتداخل و تتعقد الأسباب التي قد تؤدي إلى ظهور داء السكر من النوع الثاني في هذه المرحلة العمرية. تتأرجح تلك العوامل بين العوامل الاجتماعية , البيئية و الوراثية في ظهور هذا الداء . يتضح تأثير العامل الوراثي في تلك الفروقات في معدلات الإصابة بين الأعراق المختلفة.
يعتمد توازن الجلوكوز داخل الجسم على توازن إفراز الأنسولين من خلايا بيتا بالبنكرياس و عمل الأنسولين من خلال مستقبلات الأنسولين.
يقوم ارتفاع مستوى السكر بالدم لدى المصابين بالنوع الثاني من السكر على أساس اختلال عمل الأنسولين أولا ثم اختلال إفراز الأنسولين ثانيا.
إن مرحلة النمو و مرحلة المراهقة تمتاز بزيادة مستويات الهرمونات المضادة لتأثير الأنسولين مثل هرمون النمو و الهرمونات الجنسية و لتعويض ذلك يقوم الجسم بزيادة إفراز الأنسولين.
إن فشل الجسم في ذلك يودئ غالبا إلى ارتفاع مستوى السكر بالدم و بالتالي ظهور داء السكر. و لعل هذا يفسر زيادة معدلات التشخيص حول هذه الفترة العمرية .
تلعب زيادة الوزن أو السمنة دورا هاما في إظهار داء السكر. حيث تعمل الخلية الدهنية كوحدة هرمونية تقوم بإفراز العديد من المواد التي تؤدي إلى رفع سكر الدم. لوحظ أن الأطفال المصابين بالسمنة تقل لديهم القدرة على استجابة خلايا بيتا بالنبكرياس لإفراز مزيد من الأنسولين نتيجة لارتفاع جلوكوز الدم بنسبة 40% مقارنة بمن لا يعانون من السمنة أو زيادة الوزن.
تتناسب نسبة الدهون بالأحشاء الداخلية تناسبا طرديا مع استجابة خلايا بيتا لارتفاع الجلوكوز بالدم بإفراز المزيد من الأنسولين و عكسيا مع حساسية الجسم للأنسولين المفرز.

العلاج:
يهدف العلاج إلى :
1) التحكم الجيد في ضبط مستوى سكر الدم و السكر المرتبط بخضاب الدم
2) التحكم الجيد في الأمراض المصاحبة لداء السكر أو الناتجة عنه مثل ارتفاع ضغط الدم و اضطراب دهنيات الدم
3) منع المضاعفات الحادة و المزمنة لداء السكر
إن اخذ الطفل كوحدة واحدة من اكثر الأخطاء شيوعا في معالجة الطفل السكري. تكمن الصعوبة في معالجة الطفل السكري في أن الطفل المصاب يعتبر جزء من قطاع كامل يمثل أفراد الأسرة و المحيطين بالطفل و ينبغي أن يوجه العلاج لهم جميعا.
إن تقدير رد الفعل العاطفي لاصابة الطفل بداء السكر و ما ينتج عنه من ردود فعل للمحيطين به من أفراد أسرته من رفض للتشخيص و غيره يشكل حائطا يمنع التعامل الفعال مع الطفل السكري إذا لم يتم هدم هذا الجدار.
لذلك فان أولى خطوات العلاج تبدأ بمد بساط الثقة بين الطفل و أسرته و أفراد الفريق الطبي المعالج
كما أن توضيح الحقائق الأساسية حول هذا المرض للمحيطين بالطفل خاصة الأبويين من أهم عناصر العلاج .
إن البداية العمرية المبكرة لداء السكر من النوع الثاني بين الأطفال ترفع من احتمالية حدوث المضاعفات المزمنة في مرحلة مبكرة من العمر في حالة عدم التحكم الجيد في سكر الدم.



أ‌) تغيير أساليب المعايشة اليومية و التعليم المكثف:
إن التعليم المكثف حول داء السكر و إيصال المعلومات المبسطة حوله من أحد أهم أركان المعالجة كما أن استخدام الطرق و الأدوات المبسطة سهلة التوصيل مثل الوسائل الإيضاحية و الألعاب و القصص المصورة أحد انجح الطرق المستخدمة في تعليم الأطفال حقائق هذا الداء.
يأتي تعليم الفحص و المتابعة الذاتية من أهم أولويات الطبيب المعالج. إن الهدف من تحفيز تعلم أساليب الفحص الذاتي للسكر هو توفير وسيلة دائمة للطفل لمتابعة مستوى السكر و ذلك لتجنب المضاغفات الحادة مثل انخفاض السكر الحاد أو انخفاض السكر اللاعرضي ( عدم الشعور بأعراض انخفاض السكر) . تناقش كافة النتائج مع المريض و الأفراد المحيطين به بطريقة سهلة و مبسطة.
و لعل دور تنظيم الطعام و نوعيته من العناصر الهامة في العلاج .
عند محاولة و ضع برنامج غذائي للطفل ينبغي مراعاة نوعية الأكل المتوفر في بيئة الطفل و عدم الشطط في وصف أنواع من الأطعمة غير المستساغة في بيئة الطفل أو من الطفل ذاته كما ينبغي مراعاة الحالة المادية لأسرة الطفل السكري و تجنب الإرهاق المادي لها عن طريق وصف الأطعمة غالية الثمن كأغذية مرضى السكر التي تباع في المتاجر أو بعض الصيدليات كما ينبغي الحرص على تعديل عادات الأسرة الغذائية بصورة عامة حتى يتسنى للطفل تناول الغذاء السليم ضمن أسرته.
كما ينبغي تشجيع النشاط الحركي للطفل و عدم كبته تحت حجة انه مصاب بالسكر و لكن يجب ضبط النشاط الحركي مع العلاج الذي يتناوله الطفل و ذلك لتجنب حدوث انخفاض السكر و إعطاء الطفل وجبة خفيفة قبل ممارسة النشاط الحركي.
إن النشاط الحركي يساعد الطفل في تجنب ارتفاع سكر الدم و ذلك عن طريق تقليل مقاومة الأنسولين و سحب جزء من سكر الدم إلى العضلات النشطة و ذلك نتيجة زيادة حساسية مستقبلات الأنسولين و عددها بالأنسجة العضلية.
ينبغي تشجيع الطفل على تقليل فترات الجلوس أمام شاشات التلفزيون و الكمبيوتر و الألعاب الإلكترونية وما يتبعها من خمول و تناول لأطعمة عالية السعرات الحرارية مثل المكسرات و الحلويات و تشجيع النشاط الحركي في الهواء الطلق.
و لعل من الأهمية بمكان توضيح أهمية دور الأسرة في كل خطوة علاجية لها علاقة بالطفل المريض.
يمكن قياس نجاح تعديل أنماط الحياة اليومية بنجاح التحكم في و زن الطفل و ثباته و عودته نحو المعدل الطبيعي , ثبات مستوى سكر الدم حول 126مجم/دسل و ثبات السكر المرتبط بخضاب الدم لاقل من 7%.

ب‌) العلاج الدوائي:
نظرا لتشابه الاضطراب الوظيفي قي داء السكر من النوع الثاني في الأطفال و البالغين فان العقارات المستخدمة لدى البالغين من الناحية النظرية يمكن استخدامها في معالجة داء السكر لدى الأطفال و المراهقين و لكن نظرا لعدم توفر الدراسات الكافية حول درجة أمان هذه الأدوية في هذه المرحلة العمرية و الجرعات العلاجية اللازمة للمعالجة فان العديد من الجهات العالمية مثل منظمة الأغذية و الأدوية الأمريكية لم يجز استخدام هذه الأدوية لمعالجة داء السكر من النوع الثاني لدى الأطفال و المراهقين و يظل الأنسولين بأنواعه المختلفة هو العلاج الآمن.


المتابعة :
إن المتابعة الدورية للطفل السكري و احدة من الإرشادات الهامة التي ينبغي الحرص عليها. وتشمل هذه المتابعة العناصر التالية:
1) الفحص الدوري السنوي للعين
2) فحص البيلة البروتينية بطريقة سنوية
3) فحص القدمين و إن كان هذا النوع من الفحص موضع خلاف في هذه المرحلة المبكرة من العمر , لكن نظرا لسهولة و قلة تكلفة مثل هذا الفحص فان القيام به لا يؤثر على المريض أو وقت الطبيب المعالج أو أفراد الفريق المعالج.
4) متابعة ضغط الدم و التفاعل المباشر في حالة تجاوزه الحدود المسموح بها.
5) متابعة دهنيات الدم و العلاج الفوري لها إذا تجاوزت المسموح به.
و لعل إنقاص الوزن و متابعة الغذاء من أحد أهم خطوط العلاج.

الوقاية:
دائما ما تكون الوقاية هي الأساس. ينبغي تفعيل دور الوقاية الأولية التي تستهدف كافة أفراد المجتمع عامة و ذوي عوامل الخطر العالي خصوصا و ذلك بنشر التثقيف الصحي و توضيح الحقائق حول هذا الداء و مناقشة المفاهيم الخاطئة مثل ربط الصحة و العافية بالسمنة.
كثيرا ما نلاحظ إعجاب الأمهات بأطفالهن ذوي الوزن الزائد و اعتقادهن أن هذه السمنة دليل على الصحة و العافية.
لعل هولائي الأمهات لا يعلمن ماذا يفعلن في أطفالهن و حجم لخطر الذي يقدم لأولئك الأطفال.
كما يمثل الرصد المبكر و الاستقراء المبكر سواء عن طريق فحص الدم أو الاستقراء الوراثي أحد وسائل الوقاية المبكرة.
كما أن التدخل المبكر احد وسائل الوقاية في مراحلها الثانوية و التي تهدف إلى تجنب المسيرة الشرسة للمرض و محاولة منع أو تأخير مضاعفته المزمنة.
كلمة أخيرة اهمس بها في أذن كل أب و أم :
أطفالكم فلذات أكبادكم اهدوا لهم الصحة و العافية في كل مراحل حياتهم
و لا تحكموا عليهم بداء السكر والسمنة المبكرة